محمد جمال الدين القاسمي

188

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الرابعة - قال الزمخشري : لقد لفقت المبطلة روايات مصنوعة - ثم ساقها - وقال : وذلك لتهالكهم على بهت اللّه ورسله . قال الناصر : ولقد صدق في التوريك على نقلة هذه الزيادات بالبهت ، وذلك شأن المبطلة من كل طائفة . ويحق اللّه الحق بكلماته ويبطل الباطل . الخامسة : رأيت لابن القيم في ( الجواب الكافي ) في عجيب صبر يوسف وعفته ، مع الدواعي من وجوه ، قال عليه الرحمة ، بعد أن مهد مقدمة في مفاسد عشق الصور العاجلة والآجلة : إنها أضعاف ما يذكره ذاكر ، فإنه يفسد القلب بالذات ، وإذا فسد فسدت الإرادات والأقوال والأعمال ، وفسد ثغر التوحيد . واللّه تعالى إنما حكى هذا المرض عن طائفتين من الناس : وهم اللوطية والنساء ، فأخبر عن عشق امرأة العزيز ليوسف ، وما راودته ، وكادته به ، وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف ، لصبره وعفته وتقواه ، ومع أن الذي ابتلي به أمر لا يصبر عليه إلا من صبّره اللّه عليه . فإن موافقة الفعل ، بحسب قوة الداعي ، وزوال المانع ، وكان الداعي هاهنا في غاية القوة وذلك لوجوه : أحدها - ما ركب اللّه سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة كما يميل العطشان إلى الماء ، والجائع إلى الطعام ، حتى إن كثيرا من الناس يصبر عن الطعام والشراب ، ولا يصبر عن النساء ، وهذا لا يذم إذا صادف حلالا بل يحمد . الثاني - أن يوسف عليه السلام كان شابا ، وشهوة الشباب وحدّته أقوى . الثالث - أنه كان عزبا لا زوجة له ولا سرية تكسر شدة الشهوة . الرابع - أنه كان في غربة يتأتى للغريب فيها من قضاء الوطر ما لا يتأتى لغيره في وطنه ، وبين أهله ومعارفه . الخامس : أن المرأة كانت ذات منصب وجمال بحيث أن كل واحد من هذين الأمرين يدعو إلى مواقعتها . السادس - أنها غير آبية ولا ممتنعة ، فإن كثيرا من الناس يزيل رغبته في المرأة إباؤها وامتناعها ، لما يجد في نفسه من ذل الخضوع والسؤال لها ، وكثير من الناس يزيده الإباء والامتناع زيادة حب ، كما قال الشاعر : وزادني كلفا في الحب أن منعت * أحبّ شيء إلى الإنسان ما منعا فطباع الناس مختلفة في ذلك : فمنهم من يتضاعف حبه عند بذل المرأة